مدونة حلمي العلق

سورة فصلت من آية (25) إلى آية (29)

 | ayat | fussilat

﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴾ [25]

يبدو من السياق أن التقييض هو التمكين من شيء للاستيلاء عليه، أما القرين فهو من يقترن بالشخص فيمضي خلفه حيثما ذهب، الآية تقول : ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ مكنا أولئك القرناء منهم فأصبحوا مقترنين بهم من أجل أن يزيدوهم ضلالًا فيما مضوا واختاروا، وكان ذلك الفعل الرباني نتيجة لأعمالهم، وكان العقاب من جنس العمل، وهذا نلحظه في كتاب الله في مواطن أخرى حين يقول الباري عز وجل: ﴿ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ﴾، وكان العقاب بأن يلازمهم من يزيّن لهم ما بين أيديهم وما خلفهم، وتزيين العمل جاء ليؤكد أن ما ورثوه لا يمتلك مقومات الجذب أو ملامح الاستقامة في الأصل، بل قد يكون مرفوض عقلًا ومكروه من الناحية النفسية والقلبية، ومع ذلك فهم مصرون على الاستمرار فيه بسبب ذلك التزيين.

ثم نتيجة لذلك يأتي ما يستحقونه ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴾، لقد استحقوا أن يلحقوا بمن سبقهم من الأمم الضالة التي ابتعدت عن الحقائق الربانية، وآثرت ما وجدته بين يديها وما خلفها، وكان مآلها الكفر والخسران. أما نتيجة ذلك التزيين على أرض الواقع فتبينه الآية التالية بقولها:

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ [26]

بعد أن زين القرناء لهم ما بين أيدينهم وماخلفهم أصبحوا لا يرون القرآن، بل وصلوا لمرحلة أبعد من ذلك وهي معاداة القرآن ومحاربته ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ ﴾، هاهم يأمرون بعضهم البعض ويأمرون غيرهم أن لا يسمعوا للقرآن، حتى يبقوا على ماهم عليه، ولعملهم أن للقرآن أثره وتأثيره فهو يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وتكون الغلبة حتمًا للحق، ولكنهم لا يريدون أن يزهق باطلهم بحق القرآن، لذا يأمرون بعضهم البعض بعدم الاستماع له، وأن يلغوا حقه باللغو فيه ﴿ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾، أكثروا الكلام في القرآن بما لا طائل ولا فائدة منه، كل ذلك من أجل صرف الأذهان عن الحقائق الدامغة التي يعرضها كتاب الله، والله عز وجل يتوعد اصحاب هذا الفعل بالعذاب الشديد.

﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [27]

بينت الآيتان السابقتان أن الذين كفروا المعنيين في هذه الآية لم يكتفوا بالكفر بما أنزل الله، ولكنهم إضافة لذلك مارسوا دورًا سلبيًا تجاه القرآن، فصدوا عنه وشغلوا عقول الناس باللغو فيه حتى لا يصل بيانه للقلوب، وهذه العداوة للقرآن إنما هي عداوة للحقيقة، والله عز وجل يبين أنما هي عداوة لله عز وجل:

﴿ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ [28]

تصف هذه الآية المباركة أولئك الذين كفروا ونصبوا العداء للقرآن بوصف دقيق على أنهم ﴿ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ ﴾ وأنهم يستحقون العذاب الشديد ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً ﴾ لأن عداءهم كان في شكله للقرآن ولكن في حقيقته ومضمونه هو عداء لله، لذا كان جزاءهم النار ﴿ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ ﴾، ثم تختم الآية مؤكدة على ارتباط العداوة للآيات بالعداوة لله بقولها ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾.

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنْ الأَسْفَلِينَ ﴾ [29]

تنتقل بنا هذه الآية لمشهد من مشاهد الآخرة لهؤلاء الأعداء المجرمين،